إنَّهم مُصابون بالنرجسية

كلُّ مهنة يمتهنها الإنسان لها أخلاقياتها وأدبياتها وأساليبها الخاصة للتعبير عنها فهناك من المهن تمنح أصحابها طلاقةً في اللسان وقوة في الكلام وجمالا في التعبير وسحرا في البيان وهناك مهن أخرى قد تمنح أصحابها لطافةً الصّمت وروعة التأمل وجمال الهدوء.

 إنَّ المتتبع لهذا الأمر سيجد أن الحياة لا تقف على صنفين معينين من الناس الأول هم أرباب الكلام والثاني أهل الصمت والتأمل إذ لا يمكن الاستغناء عنهما بأي شكل من الأشكال فلكل منهما جمهوره ومريدوه واتباعه.
فلو أخذنا نماذجا عن الصنف الأول كعلماء الرياضيات والاختصاصات العلمية التجريدية التطبيقية سنجد أن الكثير الكثير منهم ترى لوحة الصمت مخيمة على وجوههم وقد عقدت على ألسنتهم العُقد فلا يتكلمون او لا يجيدون طرق التفنن بالكلام وإبراز جمالية المعنى الحقيقي او المجازي المتخفي وراء تنوع الأسلوب وحسن السبك وجمال الديباجة. 


فنجدهم يميلون إلى الصمت كثيراً ولاشك أن طبيعة عملهم يتطلب الهدوء النسبي والإبتعاد عن ضجيج الكلام وقبح الثرثرة.
فهؤلاء الناس كلّما زادت عندهم فرص الهدوء كلّما زادت عندهم صور الإبداع والنجاحات والاكتشافات المُبهرة.
إن الكلام لدى الصنف الأول يكون مقتضبا في الكثير من الأحيان وقد يشعرك بالبرود أحيانا أخرى لأنّ كلامهم نابع من العقل الحسي والمعنوي بعيدا عن الإطناب والحشو  فاللفظ عند أهل العلوم التجريبية التطبيقية يكون لأداء وظيفة تعريفية لا تشبيهية كذلك يسعون إلى  الإعتماد على التقريرية المباشرة فإن غاية الكلام عند هؤلاء الموضوعية وإظهار الحُجج العلمية بما قلّ ودلّ من الألفاظ.


إن من يرتاد عيادات الأطباء او المختبرات التحليلية سيجد أن الهدوء والصمت يعمان عليها وعلى العاملين فيها، باستثناء السكرتير لأنه مجبر على الرد على أسئلة المراجعين.
ولو أخذنا نموذجا آخر عن أصحاب الكلام الجميل والتفنن بعذب اللفظ ورقة الموسيقا وسحر البيان وهم المعلمون وأصحاب المدونات والناشطون ستجد أنهم لبقون في ألسنتهم وماهرون في صناعة الكلام والتزويق فيه لأنَّ بضاعتهم اللفظ المُنمق وحسن التعبير في عرض بضائعهم وتمكنهم من إقناع المتلقي ومغالبة الخُصوم وتراهم يجندلون فوارس الكلام فليس عيبا أن يغلب على مجالسهم الضوضاء والصخب وقد نجد من بين هؤلاء نفر قليل مَن إذا وجد فرصة للمجادلة يظل يجادل ويجادل فيصبح كمن لديه شهوة عارمة في الأكل فلا يستطيع السكوت إلا بعد كبح جماحها وينتهي بإرتفاع في الصوت إلى حد الصّياح، فهؤلاء الناس يرون في كثرة الكلام راحةً وفي الصّمت عيباً وهزيمةً.

ويجدر بي الإشارة إلى وجود صنف ثالث من الناس فتراه يتكلم في كل الإختصاصات وكأنّه أوتيَ جوامعَ الكلمِ وعندما يناقش فتأخذه الحماسة كأنها حماسة ابي تمام الطائي وتنتفخ أوداجه عند كل نقاش وهؤلاء غايتهم في الكلام عواطف ملتهبة وسرعة إطلاق الأحكام الشرعية والدنيوية وألصاق التُّهم بالآخرين من دون دليل مادي فهؤلاء مرضى يعانون من إضطرابات نفسية سيئة جدا لا بل أنهم مصابون بالنّرجسية كثيرا فلا تجادلوا هؤلاء لأن الحديث معهم عقيم.  

600 عدد القراءات‌‌