نقل ناعم للسلطة في العراق وبوادر لدولة مستقرة

يعد نقل السلطة الناعم في أي بلد مظهرا مميزا لرسوخ النظام الديمقراطي بما يفضي الى تفرغ الدولة والمجتمع، على حد سواء، الى التخطيط والبناء لتحقيق رفاهية المجتمع وضمان المستقبل.

ففي العراق السابح في بحر أقليمي هائج تتجاذبه أمواج النظريات السياسية وصراعاتها التي رسخت أنظمة‌ سياسية في المنطقة ابتعدت بها عن مسايرة التطور العلمي والتكنولوجي العالمي المستند على أرضية حرية الفرد والمجتمع وتوفر السبل لتحقيق الآمال العليا في الأستقرار والرفاهية، لم تتح الفرصة للنجاة من هذا اليم منذ تأسيس الدولة العراقية وليومنا هذا، ولكن اڵاسلوب الأضطراري لتشكيل الحكومتين الأخيرتين، برئاسة عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، رغم التحديات الهائلة، الداخلية والخارجية، بكل مظاهرها السلمية والعنيفة، يشكل نقطة تحول مهمة باتجاه ترسيخ النقل السلس للسلطة بما يجعلها وظيفة عامة لخدمة المجتمع وليس قيادة سياسية لتنفيذ اجندات مبنية على افتراضات ربما كانت وهمية، أو نظريات سياسية أكل عليها الدهر وشرب، وهي ما كانت تشكل العائق الرئيس لرسوخ نظام سياسي سليم وبالتالي ديمومة الدولة.

في عام 1921 نشأت الدولة العراقية على أعتاب حرب عالمية مدمرة، وثورة محلية كانت تطمح لحكم محلي مستقل، بعد مئات السنين من الاحتلالات الأجنبية، وكان الهدف الأسمى في حينه هو بناء أركان الدولة وتمتين الأطر السياسية والأقتصادية والعسكرية لها بما يؤسس لهوية عراقية متميزة مدعومة من قبل الجهات التي أسستها، وهي بطبيعة الحال دول التحالف الغربي المنتصر في الحرب، وعلى وجه التحديد بريطانيا العظمى. وهنا برزت الدولة كثابت يحتاج الى توظيف المتغيرات الداخلية والخارجية من أمكانات بشرية واقتصادية وثقافية وعمق تأريخي وتوجهات سياسية في توطيد أركان الدولة وضمان بقائها وديمومتها على أمل تحقيق المتطلبات المجتمعية بما تحاكي نظيراتها في الغرب المنتصر آنذاك.

وبين مد وجزر، بين مساري بقاء النظام السياسي والمتطلبات المجتمعية التي تغذت بالأيديولوجيات السياسية القديمة والجديدة، تعثر النظام في تحقيق الأهداف التي تأسست من أجلها الدولة العراقية. وقد أدت الحالة تلك الى دخول الدولة في منحى محاولات التغيير، وهي حالة صحية في بلد فتي ولكنها لم تكن صحية في توفير العلاجات الصحيحة والمناسبة، اذ اقتصرت محاولات التغيير على البدائل السياسية الأضطرارية والتي تمثلت بتغييرات وزارية سلمية وانقلابات عسكرية دون أن تمس كيان النظام السياسي ودون أن تضع حلولا جوهرية تستند على حاجة الدولة لبناء مجتمع تسوده الحرية والعدالة، اذ تحولت محاولات التغيير الى هدف الأنخراط في الطبقة المجتمعية الراقية والغنية على حساب الأغلبية المسحوقة التي كانت تئن تحت وطأة الفقر والجهل والمرض والحياة البدائية بكل مظاهرها المتخلفة.

لم يكن للمجتمع، وخصوصا الأغلبية المسحوقة، بد من الاستنجاد بكل من يمد له يد العون لانتشاله من محنته، سلما أو عنفا، دون التدقيق في أهداف اليد الممدودة، سواء كانت عفوية أو مؤدلجة، محلية الأهداف أم خارجية المنشأ، الى أن رست الدولة على شاطئ تغيير جوهري مثل انعطافة تأريخية في مسيرها وهي ثورة 14 تموز 1958 ، والتي بدت للوهلة الأولى ثورة ضد النظام الاجتماعي، الأقطاعي، أكثر مما هي تغيير سياسي، بعد أن صار النظام الملكي متهرئا وباتت مسألة سقوطه وتغييره بالنظام الجمهوري مسألة حتمية.

لم تكن ثورة 14 تموز منعطفا حاسما في نبذ الأعراف المتخلفة التي رافقت الانقلابات العسكرية السابقة التي لم تمس طبيعة النظام الملكي ولكنها اتسمت بالأنتقام والقتل والسحل، بل هي رسخت لهذه الميزة حتى صارت واقعا تلا ذلك التأريخ بما أضحت تحديا حقيقيا للأهداف المجتمعية التي حاولت الثورة تحقيقها وذلك ما وضع الدولة على أعتاب مفترق طرق، فاما ترسيخ أركان الدولة بتوفير المتطلبات الأساسية لها عند المستويين المجتمعي والأقتصادي وهو ما يحتاج الى حكومة خدمة يقودها الأكفأ بانتقال ناعم للأدارة، بناء على رغبة المجتمع، أو ادامة المغامرات السياسية التي تهدف الى اختطاف السلطة وبالتالي القبض على مقدرات الدولة والمجتمع بما يؤسس للادولة.

تمظهرت الحكومات التي تمثلت بالمغامرين السياسيين، بين عامي 1963 و 2003 ، باختطاف الارادة السياسية للدولة، اذ هدفت الى ضمان الجاه والمال وهما آفتان مجتمعيتان راسختان في العراق ساهمتا في تغذية هوس التمسك بالسلطة وبالتالي الخشية من تركها وملاقاة المصير الذي آلت اليه ضحايا تغيير السلطة، وهي المظاهر التي باتت عرفا أدى الى التقوقع والأنكماش الفئوي والعائلي للحاكم مما أبعد النظام كليا عن المجتمع، اذ اقتصر تخطيط الحكومة وتوظيفها للموارد الأقتصادية وبناء العلاقات الاقليمية والدولية على وهم الثقة الزائفة التي استندت على نظريات سياسية مرتبكة وهزيلة وافتراض أعداء وهميين متربصين بالبلاد وحروب عبثية أكلت الأخضر واليابس، كل ذلك لأغراض بقاء النظام لأطول فترة ممكنة، وليس لأغراض خدمة المجتمع وتعزيز أركان الدولة وضمان بقائها وديمومتها وتحقيق الأهداف المجتمعية بما فيها الحرية والعدالة. وقد أدى كل ذلك الى تحول النظام السياسي الى مظهر للسلطوية والدكتاتورية الذي أبعد المجتمع عن تفكيره في التغيير والأنتقال السلمي الناعم للسلطه‌ ما خلا ذلك من معارضات مسلحة مدعومة معظمها اقليميا أو دوليا بما يوحي الى رسوخ عرف الانتقال العنيف للسلطة وهو مايؤثر في أساس بناء الدولة العراقية وعوامل بقائها وديمومتها.

لم يتعزز حلم الفرد العراقي بدولة ديمقراطية يتم فيها نقل السلطة بسلاسة ويسر، بناء على الاستحقاق الانتخابي، بما يفضي لحكم الأكفأ وبدورات معلومة، لا بل تحولت النظرة بين الديمقراطية والدكتاتورية الى جدلية أقرب الى المعضلة؛ أيهما أفضل لحكم العراق!! فجاءت الانعطافة التأريخية الأخرى، ولنفس الأهداف السابقة، أي الحرية والعدالة وبلوغ الرفاهية، والتي تمثلت بالأحتلال الأمريكي العسكري المباشر، في التاسع من نيسان 2003، والذي أجهز على الدولة بكل مقوماتها، وهدم أركانها، على أمل بنائها من جديد وفقا لمفهوم تصدير الديمقراطية الذي انتهجته ادارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأبن كأحدى الوسائل لكبح تنامي الارهاب العالمي والحد من تصنيع اسلحة الدمار الشامل وبالتالي بناء نظام دولي جديد تسوده مفاهيم الديمقراطية الأمريكية-الغربية وخصوصا بعد سقوط المعسكر الأشتراكي وبروز تحديات أقتصادية وثقافية تخللها بروز تيار أرهابي عالمي تمثل في تنظيم القاعدة الذي تمكن من ضرب الداخل الأمريكي بكل عنف.

فبالأضافة الى الحاجات الآنية التي كان لابد من تحقيقها وهي انهاء الحصار الأقتصادي الدولي، الذي فرضته الولايات المتحدة وحلفاؤها على العراق بعد حرب الخليج الثانية وهو ما أدى الى تخلف جميع القطاعات الحكومية والمجتمعية، والعمل على أطفاء الديون الهائلة التي ترتبت على العراق بسبب الحروب والانتكاسات الاقتصادية، فان الاحتلال الامريكي عاد بالعراق الى عام 1921 ولكنه أراد اعادة بنائه من جديد على أساسين مهمين وهما التأسيس لنظام ديمقراطي يستند على دستور رصين وانتقال ناعم للسلطة وربط العراق بالعجلة الرأسمالية الغربية المبنية على الديمقراطية الليبرالية.

ومع ان الفرد العراقي كان يأمل هدفه‌ المحدود، وهو نجاته من الحصار الظالم، الا انه لم يكن مهيأ بشكل طبيعي لتقبل تغيير في نمط حياته كان قد جبل عليه لأجيال متعددة وخصوصأ وان أطراف المعارضة العراقية التي نسقت من الأحتلال لتولي بناء العراق في فترة ما بعد الأحتلال كانت مؤدلجة بما جعل معظمها أقرب الى العداء لأمريكا منه الى بناء صداقة استراتيجية معها اذا ما أخذنا بالحسبان أرتباطاتها التأريخية والفكرية والعسكرية، الأقليمية والدولية، اذ بدا ذلك تكتيكا منها لأسقاط النظام والوصول الى سدة السلطة لتنفيذ أجنداتها الخاصة أكثر منه استراتيجية محكمة لبناء دولة جديدة. وقد أسست هذه الحالة، وللأسف، الى محاصصة سياسية، طائفية وعرقية، أدت الى تخندقات ضيقة، سياسية واقتصادية، مدعومة بأجنحة عسكرية مع تحول الساحة العراقية الى ميدان تتصارع فيه الايديولوجيات الأثنية والطائفية واستباحته بوساطة منظمات ارهابية عابرة للحدود كالقاعدة وداعش وتأسيس ميليشيات مضادة وانتشار القتل والفوضى والذي تورطت فيه الأحزاب المشاركة في العملية السياسية الجديدة والمعارضة على حد سواء. لقد ساعدت تلك الفوضى في الميل نحو التركيز على ماتبقى من الدولة، وضرورة حمايتها من السقوط النهائي، من خلال الحفاظ على العملية السياسية من الأنهيار عن طريق تشكيل حكومة شراكة تستند على الدستور الجديد تحفظ لجميع الأطراف حقها في التعبير عن نفسها، وفي المشاركة في الحكم، على أمل رأب الصدع والوقوف بوجه الأرهاب، وذلك ما أدى الى انحدار المحاصصة السياسية الى محاصصة اقتصادية أسست للفساد المالي والأداري الذي بدأ ينخر جسد الدولة من جديد مهددا بقائها ومزيدا الضغط على كاهل المواطن الذي بدأ يفقد حريته وتنعدم أمامه وسائل العيش وانتظاره لمستقبل مظلم، له وللأجيال اللاحقة من بعده.

ومن جهة أخرى، فان الوضع الشاذ هذا، ولحاجة في نفس المواطن العراقي، أدى به الى التمسك أكثر بضرورة تطبيق الدستور بعيدا عن المحاصصة بكل أنواعها من خلال انتقال ناعم للسلطة من الكفوء الى الأكفأ، وهو حلم قديم قدم تأسيس الدولة العراقية. فبعد القضاء على فتنة داعش، والتي كانت الهم الأكبر على قلوب العراقيين، وبروز تحديات جديدة، منها تأسيس ميليشيات حصلت على المشروعية الدستورية من خلال ضمها الى تشكيلات القيادة العامة للقوات المسلحة، وبقاء التحديات الأيديولوجية، الأثنية والطائفية، وتفشي محاصصة الفساد المالي والأداري، والتأثيرالسلبي في البنية الأقتصادية للبلد، كل ذلك مع انتهاء حقبة الارهاب والتفجيرات المدمرة في المدن، أدى ذلك الى ضرورة الانتباه الى الحاجات المجتمعية والتي صارت هي التحدي الأكبر الذي يواجهه العملية السياسية برمتها في العراق من أقصى شماله الى أدنى جنوبه. وهنا برز الضغط المجتمعي من خلال النزول المباشر الى الشارع والتظاهر من أجل نيل المطالب المجتمعية والأنسانية المشروعة والتي هيأها الدستور الجديد فيما تغافلتها العملية السياسية بسبب التحديات الآنفة الذكر، اذ تحول التصدي لتلك التحديات من على عاتق الحكومة الفاسدة، بلا شك، الى عاتق الجماهير، فكيف السبيل الى ذلك وخصوصا وان العملية الأنتخابية رسخت لواقع من الصعوبة بمكان تجاوز الطريقة الدستورية التي يتم بموجبها تشكيل الحكومة والتحول نحو حكومة تستجيب لمطالب الجمهور وتتصدى للتحديات التي آلت بالدولة الى الانحدار؟ واذا ما كانت هنالك تحديات جوهرية مضافة الى التحديات السابقة تتمثل في تغيير نمط تشكيل الحكومة، بما يتجاوز مفاهيم الأغلبية السياسية والكتلة الأكبر، وترضي جميع الأطراف الحزبية والشعبية، والتأثيرات الأقليمية والدولية، وبما تتيح انتقال ناعم الى سلطة قوية قادرة على معالجة آثار التحديات بقوة وحزم وخصوصا وان البنية الأقتصادية للدولة في أسوأ حالاتها، هذا أذا ما أستثنينا الثروه‌ النفطية التي تمر هي أيضا بمحنة فائض السوق وانخفاض الأسعار، فان ذلك يحتاج الى أرادة فولاذية لايمكن توفرها بدون تكاتف جميع الأطراف والتنازل عن مكاسب ربما عدها البعض ثوابت مقدسة.

يبدو أن العراق فيه بؤرة خير ربما عكست عمقه التأريخي والحضاري لتجعله متميزا في سلمه وفي محنته، اذ ان كل الأطراف الداخلية، من سياسية ومجتمعية ومرجعيات دينية، أدركت ضرورة العودة الى جوهر العملية السياسية وتطهيرها من التلوث الذي أصابها و ذلك من خلال تشكيل حكومة تتجاوز كثيرا من المفاهيم الدستورية التي جرى تطبيقها بشكل معكوس، وحيث ان الحكومة الجديدة يجب تكون حكومة اصلاح مدعومة من قبل الأطراف السياسية والشعبية وأن تنتقل السلطة اليها بسلاسة ويسر، فكيف السبيل الى ذلك؟

في الحقيقة كاد اليأس يدب في قلوب البعض الذين توهموا بأن انقلابا عسكريا ربما يعيد الأمور الى مجاريها على نمط حقبة ماقبل عام 2003! وهنا بدأت محاولات تلميع لقادة عسكريين سابقين وحاليين والدعوة الى تسلمهم مقاليد سياسية، أو البحث في سيسي عراقي على شاكلة الدعوات التي نادت بتنصيب كارازاي عراقي في عام 2003! وبذلك بدأت عملية فرز جديدة لم تكن متوقعة، شارك فيها جميع العراقيين، عن دراية أو دون دراية، من خلال البحث في تشكيل حكومة مستقلة تعيد الأمور الى نصابها الصحيح متجاوزة المحاصصة السياسية والحفاظ على قرار عراقي مستقل أمام تأثيرات خارجية، وخصوصا امريكية وايرانية، وذلك ما يستوجب حكومة من نوع جديد لاتتسم بالقيادة السياسية، أو العسكرية، بل تكون مجرد وظيفة مدنية، مستقلة سياسيا، لخدمة الدولة والمجتمع وهو سياق غير معمول به في أي من بلدان المنطقة. لقد كان ذلك تحديا حقيقيا، اذ فشلت ثلاث محاولات لتشكيل حكومة من هذا النوع، ولكن الحرص على ابرازها للوجود تمخض اخيرا عن ولادة حكومة السيد مصطفى الكاظمي ولو اعترتها محاصصة سياسية مبطنة، وأثنية وعرقية ظاهرة، الا انها مستقلة في اصدارها لقرارات مستقلة تمثل الضمير السياسي العراقي الى حد بعيد.

ان من أهم الأستنتاجات التي خلص اليها مخاض ولادة حكومة شبه مستقلة، أو بالأحرى أقرب الى المستقلة، هي حتمية العودة الى جوهر العملية السياسية النظيفة وهي السمة التي سوف تؤمن للعراق دوره الريادي التأريخي في المنطقة والذي ربما يكون انموذجا يحتذى به لتأسيس نظام اقليمي مستقر يهدف الى بناء الأنسان وينبذ الصراعات المقيتة التي صارت أرضا خصبة لتوليد الدكتاتوريات واحداث الفوضى وعدم الاستقرار. وهنا تستوجب الحالة الى ضرورة توفير كل المتطلبات اللازمة لتعزيز عرف الانتقال السلس للسلطة، الخادمة للدولة والمجتمع، وليست القائدة الزائفة، السياسية والعسكرية، بشكل تكون فيها المتطلبات ثابتة وراسخة، بل وتعزيزها باستمرار، من خلال دعم الطاقات الفكرية المحلية وتدعيم الثقافة المجتمعية وبناء المؤسسات التي تعنى بضمان مستقبل أفضل بحيث يكون ذلك عرفا سائدا يؤسس لبناء دولة حديثة، ديمقراطية، اتحادية، متقدمة، وسعيدة.

37 عدد القراءات‌‌